مقال يهمك

2010/11/16

خروف العيد







باتا.............



حذاء باتا كان من اشهر اسماء الاحذية ويرجع اسمه الى رجل الصناعة التشيكي توماس باتا الذي قاد اكبر امبراطورية للاحذية في العالم ..وكانت شركته تدير مصانع كثيرة فيالعديد من الدول.وقد انتقل مقر الشركة من تشيكو سلوفاكيا بعد التاميم .. الى بريطانيا .وقد عاد توماس باتا بعد سقوط الشيوعية الى سلوفاكيا وسط استقبالات كبيروحاره وهتافات المواطنين واعاد تشغيل مصنع احذية باتا واستخدم الاف العمال .وفتح اكثر من مائة متجر .
وباتا هي شركة عالمية تمتاز منتجاتها بالجودة والمتانة حتى أن حذاء باتا صار مضرباً للأمثال وقد أقترن مع ( الكَرته ) التي تعطى مع كل حذاء لتسهيل عملية ارتداءه وذلك لقوة جلده ، وكانت اناقتنا لاتكتمل إلا مع حذاء باتا ، وكم كان يغرينا لمعان حذاء المعلم هو يروح ويجئ داخل الصف ، عندما كانت أناقة المعلم ضرورة قصوى ، وهي لاتكتمل إلا بثلاث أشياء ( قميص من شركة الفا ..وبنطلون من كاسكا ..وحذاء من باتا ) ، وهكذا دخلت شركة باتا تواريخنا وذكرياتها من أوسع الأبواب ، بعدما كانت واجهاتها الزجاجية الفخمة وأتكيت الأستقبال تغري المتأنقون .أما الفقراء فلم يكن لهم مع باتا ومنتجاتها حظ ومودة ،فقد كان الحذاء البلاستكي ( والنعال ) أبو الأصبع مهيمن على اقدامنا حتى في أيام ( الجِحيل ) وتعني الأيام الأكثر برودة. وكانت كل الشركات تعلن تنزيلاتها الموسمية إلا شركة باتا ،فقد كان لحذائها عنجهية ( ابو ناجي ) وهو مايطلق على المستعمر ، لأنها متأكدة من جودة بضاعتها وحاجة المتأنقين والبخلاء اليها لأن حذاءها ( يَكُدْ ) أي يعمر لسنوات. لهذا كان الصحفي العراقي الشهير ( حبزبوز) يقول ايام الملكية :مجلس النواب لايفتتح جلساته إلا على وقع احذية باتا. وأن تغير الأمر في عصر العولمة فصارت المؤتمرات الصحفية لاتنعقد إلا على وقع احذية باتا ، كما حدث في المؤتمر الأخير للرئيس بوش في زيارته الوداعية للعراق ..وياله من وداع وليته لم يتم ..!ربما يتذكر الناس كيف كان حذاء باتا يملأ نشرات الأخبار في بعض المناسبات ، ودائما يرتبط بفضيحة وبقصة مدهشة ولكن ليس مثل قصة حذاء السندريلا ..لأن في حكاية السندريلا يرتبط الحذاء بقصة رومانسية وعشق مامثله عشق ..ولكن الأمر مختلف مع حذاء باتا ، فلقد كان خروتشوف الرئيس الروسي السابق يوصي دائماً على حذاء باتا ، وكانت قدماه فخمتان ولذلك كان قياسه ( 44 ) ، وكان يمزح دائماً أن هذا الحذاء المتين مثل السلاح الشخصي له فائدة كبيرة غير حماية الأقدام من الصقيع الروسي ، ولم يكن مستشاروه يتوقعون أن يستخدمه خروتشوف ليسكت فيه العالم كله يوم ضربه على منصة الامم المتحدة بعد أن شعر بأن ثمة ضوضاء في القاعة عندما كان يلقي خطابه في فورة الصراع الروسي الامريكي أيام أزمة الصواريخ التي نصبها الروس على الاراضي الكوبية بعد عملية خليج الخنازير ، وقد استخدم خروتشوف الحذاء لأنه لم يكن يمتلك مطرقة القضاة ليُسكت فيها الجالسين ، وهكذا دخلت باتا اوسع ابواب السياسة وصار بريقها يلمع مع بريق الحروب النووية ، ولم يكن العالم ينتظر حدثا مشابها فلقد تغيرت اشكال الاحتجاج والتهدئة ورد الفعل ، إذ حل البيض الفاسد والبطاطا والخضار محل حذاء باتا في محاولة البعض الاستنكار بوجه المسؤولين ،وكان جميع من يرمى بالبيض الفاسد من وزراء ورؤوساء ،لايفعلون شيئا سوى اخراج مناديلهم البيض ومسح بدلاتهم ويمر الامر بهدوء ، فالديمقراطية تبيح في فورتها مثل هكذا عنفوان .لكن مشهد حذاء باتا تكرر ثانية وبذات الصورة العاصفة التي فعلها المرحوم خروتشوف عندما رمى صحفي عراقي الرئيس بوش في مؤتمره الصحفي في العراق وقال له : خذ هذه هدية الوداع الأخير.


2010/11/05

جراح سودانية وشجون مصرية..منار الشوربجي


دعيت الأسبوع الماضى لمحاضرة ألقاها السيد الصادق المهدى، رئيس وزراء السودان الأسبق بالمجلس المصرى للعلاقات الخارجية. وقد تناول الضيف السودانى الوضع الراهن فى بلاده والذى وصفه بأنه يمثل «مفترق طرق بين نعيم ممكن وجحيم محتمل». فهو تحدث تحديدا عن الاستفتاء المزمع إجراؤه فى يناير القادم وفق اتفاق نيفاشا الذى أبرم فى ٢٠٠٥.وهو الاتفاق الذى اعتمد فترة انتقالية مدتها ست سنوات تقودها حكومة وحدة وطنية يتبعها استفتاء يقرر فيه الجنوبيون مصيرهم، إما بالاستمرار فى الدولة الموحدة أو بالانفصال. وكانت الفكرة الجوهرية التى دارت حولها كلمة السيد المهدى هى أن الاستفتاء، الذى صار التزاما يتحتم الوفاء به، إذا لم يكن حرا ونزيها فإنه قد يؤدى لمزيد من تعقيد مستقبل السودان.فنزاهة الاستفتاء من شأنها أن تسمح بمعالجة القضايا الخلافية بالتراضى سواء فى دولة موحدة أو دولتين منفصلتين، بينما يؤدى الاستفتاء المطعون فى شرعيته إلى تعقيد الأمور وفتح الباب على مصراعيه لجحيم الاقتتال. وأعرب المتحدث عن قلقه من أن أطرافا دولية، على رأسها الولايات المتحدة ليست معنية بنزاهة الاستفتاء بقدر اهتمامها بإجرائه فى موعده مهما كانت النتائج ودون النظر إلى مايؤدى إليه ذلك من مزيد من تسميم العلاقة ليس فقط بين الشمال والجنوب وإنما داخل الجنوب نفسه.والحقيقة أننى كنت أستمع للمحاضرة وقلبى مع أشقائنا السودانيين بينما عقلى منشغل بمصر. كنت أشعر بمرارة مصدرها سؤال هيمن على تفكيرى وأنا أستمع للسيد الصادق المهدى. هل فعلا جاء اليوم الذى صار فيه من الممكن أن يلقى أحد محاضرة رصينة يتناول فيها الشأن السودانى بأبعاده المختلفة وأدوار الأطراف الدولية الفاعلة، دون أن يأتى ذكر مصر ولو مرة واحدة؟ وإذا كان ذلك ممكنا فما دلالته بالنسبة لأمن مصر القومى؟فمنذ أن كنا طلابا فى المرحلة الجامعية نتعلم مبادئ علم السياسة، أدركنا أن إحدى المسائل التى لايختلف عليها اثنان من كبار أساتذة العلوم السياسية هى أن السودان، فضلا عن روابط الدم والتاريخ، يرتبط بشكل مباشر بالأمن القومى المصرى. ومن ثم ترسخت فى وعينا الأهمية القصوى للعلاقات بين البلدين.ومعنى ذلك أن من دواعى الأمن القومى لبلادى أن تكون مصر حاضرة بقوة فى كل التفاعلات المهمة التى تتعلق بالسودان ومستقبله، ليس بمنطق الهيمنة وفرض الإرادة المصرية وإنما بمنطق المصالح المشتركة والإسهام الفعال النزيه القائم على احترام إرادة السودانيين باعتبار ذلك الاحترام هو وحده المفتاح لاحترام أبناء السودان للمصلحة الحيوية المصرية.وغياب مصر من مضمون محاضرة الصادق المهدى هو مجرد انعكاس كاشف للواقع وليس منشئا له. فلا أحد يستطيع أن يتجاهل أدوار الأطراف المؤثرة. فأنت سواء قبلت أو رفضت الدور الأمريكى فى السودان لا يمكنك الحديث عما يجرى هناك دون أن تتطرق لذلك الدور المحورى. وغياب مصر من محاضرة عن السودان أبلغ من أى كلام. فمصر فعلا غابت لسنوات طويلة عن تفاعلات رئيسية شكلت مستقبل السودان.وإذا أخذنا المحاضرة باعتبارها ذات دلالة رمزية على دور مصر أو غيابها، تصبح المفارقة أيضا هى السياقات التى ذكرت فيها مصر سواء فى كلمة الضيف السودانى أو فى تعليقات الحاضرين وأسئلتهم. فبعد أن غابت مصر من كلمته أنهى الصادق المهدى حديثه بالإشارة إلى الدور «العربى» المطلوب فى المرحلة القادمة. والمعنى واضح ولا يحتاج لتعليق، إذ لم يعد هناك ما يميز دور مصر عن باقى الدول العربية!وحين فتح الباب للنقاش جاء ذكر مصر مرتين أولاهما حين وجه أحد الحاضرين سؤالا للمتحدث عن أسباب ما وصفه باستبعاد مصر من مجريات الأمور فى السودان، فأجاب رئيس الوزراء السودانى السابق بأن مصر اختارت الابتعاد ولم تستبعد.فحين انخرطت أمريكا بقوة بعد طرح الجنوبيين لفكرة تقرير المصير منذ عام ١٩٩٣ كان الأمريكيون يرغبون فى دور فاعل لكل من مصر وكينيا. لكن مصر رفضت لأنها كانت ضد فكرة تقرير المصير من الأساس.والسؤال الذى يطرح نفسه هنا هو أيهما كان الأفضل بالنسبة لمصر، أن تشارك بقوة وتبحث عن الأدوات والموارد التى تجعل من الوحدة بديلا جاذبا للجنوبيين أم تترك الأمر برمته لأطراف دولية أخرى لها مصالحها بطبيعة الحال؟بعبارة أخرى، غياب مصر لم يمنع بحال المضى قدما فى تكريس فكرة تقرير المصير وتحويلها لواقع.أما المرة الثانية التى ذكرت فيها مصر فكانت أيضا فى مجال الرد على سؤال تعلق بالموقف الأمريكى، فتمنى السيد الصادق المهدى أن تعمل مصر على إقناع أمريكا بشأن الإعداد للاستفتاء.وهو ارتأى أن مصر يمكنها أن تسهم فى إجراء استفتاء نزيه لا عبر التدخل لدى الجنوبيين الذين لا يثقون فى حياد مصر وإنما لدى الولايات المتحدة الأمريكية.كل تلك المعانى التى هى أبلغ من أى تعليق تثير الشجون بالقطع ولكنها أيضا تطرح أسئلة كثيرة حول النشاط المصرى المكثف هذه الأيام بخصوص السودان ومدى فاعليته. هل هو نشاط بعد فوات الأوان هدفه فقط تقليل الضرر الذى قد يلحق بأمن مصر القومى أم أن هناك فعلا ما يمكن إنقاذه؟ سؤال أرجو أن نجد إجابة صريحة عنه. فالسياسة المصرية تجاه السودان تمس كل مصرى ومن حقنا أن نطلع على ما يتم بخصوصها من مصادر مصرية وهو أضعف الإيمان.

2010/11/03

شارك برايك


هل تعتقد أن أنفلونزا الخنازير ستعود مجددا؟

وجاء الخريف/سلامة احمد سلامة

لملم الصيف أوراقه أخيرا ورحل، مخلفا وراءه عددا من الكوارث الطبيعية التى أيقظت العالم على حقيقة التغيرات المناخية وتأثيرها على الإنسان وبيئته. وكان نصيب البشرية منها عددا وافرا من الزلازل والبراكين والسيول التى ضربت هاييتى.. وإندونيسيا التى مازالت مهددة بتسونامى عجزت أجهزة الرصد بأحدث الوسائل التكنولوجية عن التنبؤ بموعده.. ثم باكستان التى أغرقتها السيول والفيضانات، وفى كل هذه الكوارث كانت الشعوب المغلوبة على أمرها هى الضحية. بعضها سارعت دول الغرب إلى إغداق المساعدات عليها مثل هاييتى المستعمرة الفرنسية القديمة. والبعض الآخر مثل باكستان واندونيسيا تركتا لمصيرهما. لم تعرف أى منهما غير قليل من الاهتمام العالمى وقليل من المساعدات. ولم يشفع لها انتماؤها لعالم إسلامى ممزق رغم ثرائه وكثرة شعوبه التى أضحت غثاء كغثاء السيل!

فى بلادنا يتحول الصيف إلى عبء ثقيل، حين تتضافر حرارة الجو وقيظ الشمس مع ما تعج به العشوائيات والشوارع والكفور من القمامة ومخلفات المجارى وطفح المياه لتجعل معظم المدن والأحياء فى مصر صورة من صور الخراب الذى تلحقه الزلازل والفيضانات بالبلاد الأخرى!

وفى كل صيف لابد أن تشهد مصر هجمة وبائية لفيروس من الفيروسات.. ان لم تكن إنفلونزا الطيور فإنفلونزا الخنازير التى أعلن رسميا أنها صارت من الأمراض المتوطنة فى مصر. وفى هذه السنة جاءت «الملتحمة» إلى عيون الأطفال والكبار من حيث لا يدرى أحد.. إلا أنها نتيجة طبيعية لدرجة هائلة من التلوث الذى نتنفسه ونعيش عليه، وتغذيه السحابة السوداء بأطنان من الدخان والغبار وتلوث المياه التى يجرى خلطها بالصرف الصحى!

هل أضحت مصر بذلك أحد أكثر الدول تلوثا وقذارة فى العالم؟ وهل فقدت الطبيعة فى بلادنا جمالها وبكارتها، وانطفأ سحر الريف الذى كان فى وقت من الأوقات مصدرا للإلهام ونبعا للعطاء والشعور بالرضا والقناعة؟ ولماذا ضاع الإحساس بالجمال فى بلد خلدت حضارته فنون الجمال وأقامت المعابد والأهرامات احتفاء بروعة الطبيعة وبقدرة الإنسان على التشييد والبناء والإيمان بالخلود؟!

تخطر فى ذهنى وتعبر خيالى مثل هذه الأفكار كلما وجدت نفسى خارج القاهرة، بعيدا عن أجوائها المفعمة بالعوادم، وعن زحام شوارعها والفوضى والعشوائية التى تميز إيقاع الحياة فيها.. فتجثم فوق عقل الإنسان وروحه، لتجعله أبطأ حركة وفهما وعزوفا عن المشاركة فى أى شىء، بل وعن التفكير السليم. وهو ما ينعكس بغير شك على قرارات المسئولين وسياساتهم المتضاربة. ولو سألتنى عن سبب الفشل الذى تمنى به الدول التى تصنف على أنها «دول فاشلة» لقلت لك إن جانبا كبيرا من الأسباب يرجع إلى فساد البيئة.

لا يشعر المصريون بفصول السنة وتغيراتها ولا يحتفلون بها كما تحتفل بها بعض شعوب العالم. فقد كان فيضان النيل فى شهور الصيف هو التغير البيئى الوحيد الحاسم فى حياتهم، باعتباره مصدر الخير والخصب والنماء.. أن يفيض النيل أو يغيض تلك كانت قضية حياتهم التى ارتبطت بكل شىء.. وحين كف النيل عن الفيضان ونجح الإنسان فى ترويضه، نزح الناس فى شهور الصيف إلى الشواطئ التى أصبحت مسرحا للاحتفال بالحياة ومباهجها، ومهرجانا سنويا للانفلات من أسر العادة والروتين اليومى.

الفقراء يؤثرون الصيف والأغنياء يرحبون بالخريف. فخيمة الصيف لا تحتاج إلى فراش أو غطاء، وهى بالنسبة لأهالى العشوائيات ومدن الصفيح من الفقراء والمعدمين خير ملجأ وملاذ. وحين يأتى الخريف فإنه يمسح أوزار الصيف وعرق الحر. ويعيد توزيع الألوان والأضواء على الأشجار والأغصان والزهور، بعد أن يسقط الأوراق الذابلة القديمة، ويدفن بذور الخصب فى رحم الطبيعة خوفا من برد الشتاء وتقلباته.. إلى أن يحين موعد بعثها مع الربيع من جديد.

حتى فى الطبيعة يظل القانون السرمدى هو التداول والتغيير: تداول الصيف والخريف، والشتاء والربيع، والحر والبارد، والخصب والجدب. وحين تنضو الطبيعة أثوابها يخلع الإنسان عن عقله وروحه كثيرا من القشور الزائفة والمظاهر الخادعة!!!

2010/10/29

هؤلاء الشرفاء المحترمون..فهمي هويدي


الحكم الذى صدر ببطلان وجود رجال الشرطة فى الحرم الجامعى يطمئننا إلى ان المجتمع المصرى لايزال يحتفظ ببعض عافيته، وان جهود التفكيك والاجهاض والانهاك فشلت فى إخصاء المجتمع واستسلامه. ذلك ان الحكم والقضية برمتها كشفت عن أمرين مهمين هما:● انه مازالت فى مصر كتيبة من المثقفين المحترمين والشجعان، الغيورين على الدفاع عن المجتمع ومصالحه العليا. وهم ينتمون إلى أرض هذا البلد وناسه وحلمه، ولأنهم كذلك فقد عزفوا عن الاتجار بالسياسة ونأوا بأنفسهم عن ألاعيبها، ولم ينخرطوا فى أى من الأحزاب المصطنعة التى أصبحت تستمد قوتها ووجودها من رضاء السلطة عليها والصفقات التى تعقدها معها. هم ليسوا معروضين للبيع، شأنهم شأن غيرهم من المثقفين الذين استجابوا للغواية وضعفوا أمام المناصب والوجاهات، فتحولوا إلى مهرجين وحواة، واختاروا ان يكونوا ابواقا للسلطة وقطعا من الديكور الذى يجملها، بعدما تخلوا عن ضمير المجتمع وباعوه فى أول منعطف، هؤلاء المثقفون المحترمون الشجعان ــ الرجال منهم والنساء ــ هم الذين طعنوا فى وجود الحرس التابع لوزارة الداخلية داخل الحرم الجامعى، وهم الذين طعنوا فى فرض الحراسة على النقابات المهنية. وهم الذين طلبوا فسخ عقد «مدينتى» لما شابه من فساد وتواطؤ، وهم الذين وقفوا ضد بيع وحدات القطاع العام، وهم الذين طلبوا وقف تصدير الغاز لإسرائيل. ورفعوا قضايا طالبت بفتح معبر رفح وازالة الجدار الذى اقيم بين مصر وقطاع غزة.. الخ.● الأمر الثانى الذى لا يقل أهمية، هو ان تلك المبادرات ما كان لها ان تحفظ لنا جذوة الأمل، لولا ذلك الرهط من القضاة المحترمين بدورهم والشجعان، الذين تمتعوا بالنزاهة والغيرة والشجاعة، غير مبالين بغوايات السلطة واهوائها ــ ولأنهم نصبوا انفسهم حماة لمصالح الوطن وحراسا للحق والعدل، فإنهم أصدروا تلك الأحكام المنيرة التى ردت إلينا الروح وانتشلتنا من هوة الاحباط واليأس.ورغم ان الأحكام التى صدرت عن الإدارية العليا احتلت الواجهات لان اخطاء الحكومة كثيرة وجسيمة والقضاء الإدارى هو المختص بها، فاننا لا نستطيع أن نغفل أحكام القضاء العادى فى قضايا أخرى عديدة، أبرزها حكمه فى قضايا التعذيب، واحدثها الحكم على السفير الإسرائيلى فى مصر بدفع تعويض قدره عشرة ملايين دولار لأسرة جندى مصرى من المحلة الكبرى قتلته دبابة إسرائيلية عمدا مع اثنين من زملائه على الحدود مع قطاع غزة.ولا تحسبن ان استقامة القاضى واستقلاله وعدم اكتراثه بحسابات السلطة وغواياتها بالأمر السهل فى هذا الزمن، لان امثال هؤلاء القابضين على جمر النزاهة يدفعون ثمن موقفهم ذاك. لان غيرهم من «المتجاوبين» و«المتعاونين» لهم حظوظهم من المكافآت وعطايا السلطة، التى لا تبخل عليهم بالتعيين فى وظائف المحافظين والاستشاريين وأعضاء مجلس الشورى. فى حين يحال الأولون إلى التقاعد فى صمت لكى يغرقوا فى بحر النسيان بمضى الوقت.حفاوتنا بحكم «طرد» الحرس من الجامعات لا ينبغى ان تنسينا اننا بصدد رحلة طويلة وشاقة. لان قدرة السلطة على العناد والالتفاف لا حدود لها. فقضية بطلان الحرس الجامعى مثلا منظورة أمام المحاكم الإدارية منذ سنتين. وقد ظلت وزارة الداخلية تراوغ وتستشكل فيها حتى أوصلتها إلى المحكمة العليا التى حسمت الأمر أخيرا. ورغم ذلك فلن تعدم الأجهزة الأمنية سبيلا إلى بسط نفوذها وهيمنتها على الجامعات، خصوصا بعدما أصبحت تتحكم فى تعيين المديرين والعمداء والوكلاء، حتى ان بعضهم صاروا من رجالها. ولا أستبعد ان يصبح إلغاء الحرس مماثلا لإلغاء الرقابة على الصحف. حيث سحب الرقباء واستبدلوا برؤساء للتحرير ومديرين صاروا أكثر شدة وغلوا من الرقباء. صحيح ان المشكلة أكبر من حكم المحكمة، لكن يكفينا ان أولئك الشرفاء قاموا بما عليهم، واعطونا أملا فى المستقبل

2010/10/26

الآلهة الحية كوماري


من العاصمة كاتماندو عاصمة مملكة نيبال المملكة الهندوسية الوحيدة في العالم، نتعرف على أسرار وخفايا هذه العاصمة المستظلة تحت جبال الهملايا. صباح يوم باكر في العاصمة كاتماندو وعلى مقربة من القصر الملكي داخل هذه الأروقة الضيقة المزدحمة يتوجه السكان إلى معابد المدينة لأداء الطاعة قبل الانصراف إلى العمل اليومي، كل شيء عادي لكن ما يلفت النظر في مجمع ميربار معبد صغير شهير يعرف بمنزل كوماري، ترى البعض فور دخولهم ينادون كوماري بصوت عال لتطل عليهم من الشرفة، ولكن عليك الانتظار، ووضع بعض النقود في الصندوق والتصوير ممنوع. في هذا المعبد المصنوع من الخشب المزخرف والتماثيل المنحوتة بطريقة فنية رائعة تعبر عن براعة الفن النيبالي، ووسط هذه الباحة معبد صغير للإلهة سراسباتي، البعض يحاول الصعود إلى الأعلى، والبعض الآخر يجول في الباحة بانتظار طلة كوماري. هذه التحركات أثارت فضولنا أكثر لنتعرف على كوماري أو الإلهة الحية، إنها أسطورة حية لطفلة لم تتجاوز الرابعة ربيعاً تتربع على عرش الآلهة، والناس يركعون أمامها وتباركهم بمن فيهم ملك البلاد، إنها الإلهة العذراء تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي وحسب الرواية أن الإلهة تليجو الهندوسية كانت تلعب مع ملك البلاد باستمرار، لكنها غضبت منه وهجرته عندما حاول استلطافها، وبعد توسلات عديدة قررت العودة لمجالسته ولكن على شكل طفلة صغيرة تتقمص روح تليجو وتعيش بجسدها حتى مرحلة الرشد. طفلة بريئة تتحول إلى إلهة حية، حُرمت من أهلها ورعايتهم لتعيش في منزل كوماري تتبع نظاماً روتينياً دينياً قاسياً.أنال بغال (دليل سياحي): هناك علاقة قوية بين الهندوسية والبوذية في عبادة الكوماري في وادي كاتماندو والتي تدل على التلاحم بين الهندوسية والبوذية منذ القدم، وهذه هي الفلسفة لما تعنيه هذه الإلهة كوماري هي جلب الديانتين معاً



طريقه اختيار كوماري
ولكن من هي كوماري؟ وكيف يتم اختيارها؟ يجب أن تكون من قبائل الساكية المشهورة بصناعة الذهب وهم السكان الأصليون للعاصمة كاتماندو، وكان المئات من الأهالي في السابق يتجمعون خلال فترة البحث عن طفلة ما بين السنتين والخمس سنوات، إذ تُعد عملية اختيار الطفلة شرفاً كبيراً لعائلتها، وقد تكون طفلة إحدى أمهاتها عاملات في الحقول، أو ربما من داخل دور الحضانة، ويجب أن تتطابق الطفلة في مظهرها الخارجي مع المواصفات الاثنين وثلاثين، ومنها أن تنتمي إلى أسرة ذات سمعة جيدة جسمها مثل شجرة البنيان، ساقيها مثل الغزال، الخدود مثل الأسود، الشعر والعينين سوداوين، الصوت رقيق مخملي، وفوق كل ذلك يجب أن ينطبق فلكها مع ملك البلاد.مملكة النيبال المملكة الهندوسية الوحيدة في العالم وحيث الأغلبية من الهندوس وهناك أقلية بوذية ومسلمة.راميش براساد باندي (الراهب الملكي الكبير): علينا أن نختار الطفلة من قبيلة ساكيا البوذية، ويعود ذلك للقرن الحادي عشر عندما أصبحت هذه الآلهة تاليجو وكوماري المتقمصة بروحهما معاً الإلهتين للتعبد في النيبال جانب من المعبد للإلهة تاليجو والجانب الآخر بدأ بعبادة كوماري، وهذه هي تقاليدنا وأعرافنا.وائل عواد: ولدى الهندوس النيبال عادات وتقاليد تختلف عن الهندوس في شبه القارة الهندية، فعلى سبيل المثال الإلهة كوماري غير متبعة في الهند، واختلفت الروايات حول أصولها لكنها تمارس لقرون من الزمن وعلى نطاق واسع، وهناك عدة قبائل نيبالية تتبع نفس الإجراءات في اختيار الإلهة كوماري، وإخضاع الطفلة لتجارب مروعة وطقوس دينية مستهجنة، قبل أن تستقر روح الإلهة تاليجو بداخلها.شابماليا أماتيا (مؤرخ): إنها تضحية كبرى أن تقدم ابنتك لتصبح كوماري وهي لا تتجاوز الخامسة أو السادسة من عمرها عليها، أن تترك أهلها لتعيش في منزل مقدس لوحدها، إنها ليست بالعملية السهلة إنها تضحية كبرى. وتُجرى طقوس هندوسية مقدسة، لا يسمح لأحد بمشاهدتها سوى الرهبان وخلال هذه الطقوس للإله الهندوسي يتم التضحية بالعديد من الجواميس والخراف، وتوضع الرؤوس المقطوعة للحيوانات في غرفة مظلمة لا ينيرها سوى ضوء خافت من قنديل زيت، ويتم وضع الطفلة في هذه الغرفة طوال الليل، وتُرفض إذا بكت أو رجفت أو نامت أو امتنعت عن الدخول، ولكن إذا دخلت وصلت أو رقصت أو قامت بأي عمل آخر فإنها تظهر المزايا الخاصة من إلهة تليجو المجسدة بالطفلة الجديدة كوماري.مانا باندي (زوجة الراهب الملكي الكبير): علي أن أتفحص جميع المواصفات الفيزيائية للطفلة التي يقع الاختيار عليها وعلي أن أكون متأكدة من خلوها من العيوب وبصحة جيدة، ويجب أن تكون خليقة وعفيفة وأن ننظر إلى عقلها وفكرها.وائل عواد: ويتم الإعلان من قبل الرهبان أنه تم وقع الخيار على الطفلة الجديدة، ويعلن ملك البلاد النبأ السار على الشعب حيث تعم الفرحة والبهجة، وتُنقل كوماري إلى منزلها الجديد لاستقبال المتعبدين، وتصبح الطفلة ملكاً للشعب النيبالي يتطلعون إلى رؤيتها ومباركتها، وعمد الملك السابق برندرا على القيام باستعراض شعبي ويقوم هو شخصياً بزيارتها في منزلها ليركع أمامها ويحظى بمباركتها أيضاً، واستمر الملك الحالي على النهج ذاته حيث يتجمع الأهالي والسياح لمشاهدة هذا الاستعراض الديني التقليدي خاصة في الأعياد والمهرجانات الهندوسية، حيث يسمح لكوماري بالخروج من منزلها محمولة في عربة خاصة تجر شوارع العاصمة الضيقة لتعود إلى منزلها، وتطل من الشرفة النافذة الوحيدة لها على العالم حيث تبقى حبيسة المنزل طيلة أيام السنة لا ترى نور الشمس ولا يحق لها الاختلاط مع من تشاء.وائل عواد: فاصل قصير ثم نعود إليكم لمتابعة هذه الحلقة ابقوا مع العربية.[فاصل إعلاني]

كوماري حرمت من طفولتها ورعاية ذويها وتحظى بعبادة شعب كامل




كوماري طفلة كوفئت بعبادة شعب كامل، لكنها حُرمت من طفولتها ورعاية ذويها، يشرف على تربيتها أناس غرباء يقومون بتدريبها على أسلوب حياة جديدة، وطقوس دينية تقليدية يومية، والمرحلة الأصعب هي عملية وضع المكياج وتلبيسها هذه المجوهرات الثقيلة التي تزن أكثر من ثماني كيلو غرامات، وعليها أن تلبسها طيلة ساعات النهار لاستقبال الزوار بزيها الحريري الأحمر، وبعينين سوداوين مكحلتين بكثافة، وعلى جبينها عين ثالثة مرسومة، وكل قطعة من هذه المجوهرات لها دلالاتها الدينية كي ترتقي كوماري إلى مكانة الآلهة، وأهم هذه القطع الناك سترا وفور أن ترتديها حسب الرواية فإن روح الإلهة تدخل جسدها وتصبح هادئة ولا تتحدث على الإطلاق.شابماليا أماتيا (مؤرخ): هذه المجوهرات صنعت خصيصاً للكوماري ولا يجوز للعامة أن يتزينون بها، ولكل قطعة من هذه المجوهرات لها قوة خاصة.وائل عواد: وعليك أن تقرأ تعابير وجهها وحركاتها وإيماءاتها فقط، حياة كوماري مقدسة ومؤقتة حتى بلوغها سن الرشد، أو في حال تعرضها لخدش أو نزيف فإنها تفقد ألوهيتها وتعود مواطنة عادية، ومن ثم تمارس الطقوس الهندوسية الجديدة من جديد لاختيار البديلة التي ستستقر فيها روح الإلهة تاليجو، لكن هذا السقوط الفجائي من القمة إلى الهاوية ليس وقعه بالأمر السهل على الطفلة، والبعض منهن يرفضن حتى فكرة التخلي عن كوماري خاصة بعض قبائل الباتان، فهذه كوماري قاربت على الخمسين عاماً، قاربت على الخمسين عاماً وما زالت متربعة على هذه الكرسي، وخلال مراقبة دقيقة لمظهرها الخارجي بإمكانك أن تلاحظ أن هيكلها العظمي ومظهرها تأقلم مع هذه الكرسي التي تجلس بداخلها لأكثر من سبعة وأربعين عاماً، فقد اختيرت كوماري عندما كان عمرها سنتين فقط، وما زال أبناء القبيلة يترددون على منزلها لعبادتها وطاعتها علماً أن هناك طفلة كوماري للقبيلة تم اختيارها حسب الطقوس الهندوسية التقليدية.شابماليا أماتيا (مؤرخ): طالما أن أهالي قبيلة باتان يؤمنون بأنها ما زالت كوماري فليفعلوها ذلك، ولكن إذا سألتني عن وجهة نظري فأعتقد أنه يجب أن يتوقفوا عن عبادة كوماري المسنة لأنها تجاوزت السن المطلوب للإلهة كوماري.وائل عواد: بعض القبائل تحتفظ بالإلهة كوماري في منزل ذويها حيث يسمح لها بالاختلاط مع أهلها واستقبال المتعبدين في غرفة خاصة، كثيرون منهم طالبين حلاً لمشاكلهم اليومية وتحسين مستوى حياتهم المعيشية في بلد فقيرة يبلغ تعداد سكانها 23 مليون نسمة، وهناك اعتقادات قديمة أن مصير البلاد مرتبط بتصرفاتها وحركات وجهها ويديها، وهذه الحركات كافية لتغيير مسار الحياة في المملكة، فإذا غضبت كوماري لم تمطر السماء، وقطرة دمع من عينيها تسمى فيضانات، وإن اهتزت فقط أغضبت الملك، وإن لم تتحرك ساكناً فلا داعي للقلق.- هناك هندوسية في النيبال والهند ولكن الكوماري فقط في النيبال، وهناك اثنتان واحدة ملكية والأخرى هذه لأهل الباتان، ونحن نؤمن بهذه الكوماري ونؤدي لها الصلوات والطقوس في جميع المناسبات.وائل عواد: وتقول إحدى الروايات أن أحد الملوك مات عندما نامت الإلهة كوماري وهي تجالسه، ولذلك فإن عملية اختيار الإلهة كوماري معقدة ودقيقة، وفشلت جميع محاولاتي في إقناع كوماري بالحديث معي، لكنها اكتفت بالإيماء والابتسامة البريئة وإلا لكنت قد مرضت في كاتماندو، وعندما طلبت من والدتها أن تجولها في المنزل أو تأخذنا إلى غرفة العبادة أو تسمح لها باللعب مع أخويها رفضت ولم تتجرأ على الطلب، وقالت كيف أتجرأ أن أطلب من الآلهة أن تقوم بأي عمل، وغادرنا المنزل بعد أن دفعنا مبلغاً من المال للسماح لنا بهذه الزيارة وكي نحظى بالمباركة أيضاً، وعدنا أدراجنا نتجول في شوارع العاصمة كاتماندو التي تذب فيها الحياة، هذه المدينة المليئة بالكنوز التاريخية التي لا تقدر بثمن، وصنفتها الأمم المتحدة من ضمن المواقع الأثرية الواجب الحفاظ عليها والعناية بها. الشعب النيبالي بطبيعته مسالم ومتدين ويؤدي طقوسه الدينية كل حسب عاداته وتقاليده، والبوذيين هنا أيضاً ناشطون، والكوماري هي أيضاً من قبيلة بوذية ولذلك يتعبدها الهندوس والبوذيون على حد سواء، وخصصت الحكومة النيبالية في الآونة الأخيرة مبلغاً من المال للطفلة كوماري لما تواجهه من صعوبات بعد عودتها لممارسة حياتها الطبيعية.راميس براساد باندي (الراهب الملكي الكبير): لقد بدأنا بدفع راتبنا شهرياً للكوماري وهو عبارة عن مبلغ حوالي 80 دولار شهرياً و30 دولار للدراسة، ولا يبقى لكوماري سوى الذكريات من الصور للاحتفاظ بها بعد عودتها لحياتها الطبيعية، وتأهيلها من جديد للعيش مع ذويها الذين حرمت منهم سنين طفولتها مثل أميتا التي بقيت على عرش كوماري تسع سنوات متواصلة، وكانت مرتبكة وخجولة أثناء حديثها معنا، لكنها سرعان ما فتحت لنا قلبها.أميتا (كوماري سابقة): كنت أبدأ اليوم من الثامنة صباحاً بعد أن يتم وضع اللباس، ومن ثم يأتي المتعبدين من الساعة التاسعة حتى غياب الشمس، وبعدها أعود إلى غرفتي وأقضي معظم وقتي.وائل عواد: واستطاع والديها إقناع الملك بالموافقة على تدريسها أثناء قداستها، لأن الملك كان يرفض في السابق بحجة أن الآلهة لا تحتاج إلى التعليم.أميت (والد كوماري السابقة): إنها ابنتي ولسنوات أطفالي لا يدركون أين ذهبت ولكن فيما بعد علموا، وسألني ابني متى ستعود أختي إلى بيتنا؟ قلت له بعد 8 سنوات.وائل عواد: وتبقى جاهلة طيلة حياتها وتتذكر تلك الأيام المريرة، الآن أميتا طليقة وحرة بتصرفاتها، تصاحب من تشاء وتلعب مع من تشاء، تعيش أميتا طفولة متأخرة بالتأكيد برعاية والديها وأخويها.أميت (والد كوماري السابقة): لقد كنت أفتقدها كثيراً وفي معظم الأحيان في البيت في السوق في السيارة، كيف لي أن أنسى ابنتي؟ إنها ابنتي لقد بقيت كوماري لتسع سنوات لقد كانت مدة طويلة.وائل عواد: أميتا الآن تتجرأ على الخروج من منزلها، وتعودت على تسريح شعرها بنفسها، وبعد ذلك أيضاً التحقت في الجامعة وأصبحت الآن تقوم بشراء حاجياتها بكل ثقة، ويكّن لها سكان الحي الاحترام لأنهم يعرفون أنها كانت كوماري، وذهبوا مرات عديدة إلى المعبد للحصول على مباركتها.أميتا (كوماري سابقة): أريد أن أنهي دراسة أريد أن أعمل وأحسن من حياتنا المعيشية وأعتقد بأنني قادرة على ذلك.وائل عواد: وحسب العادات القديمة هنا فإنه لا يجوز التزوج من كوماري لأن ذلك يؤدي إلى الموت، لذلك تبقى كوماري عانس، بيد أن هذا الاعتقاد تغير وأميتا تطمح بتكميل تعليمها الجامعي وتحسين ظروف حياتها. راشميلا كانت أيضاً كوماري ملكية والآن تعارك الحياة للتأقلم والدراسة والقيام بالواجبات المنزلية في غرفة هادئة، ربما هذا السكوت يذكرها بتلك الساعات الطوال التي قضتها لوحدها بين أربعة جدران، ويصعب علينا قراءة بنات أفكارها وكيف تتطلع إلى مستقبلها.راشميلا (كوماري سابقة): لقد شعرت بخيبة أمل عندما انتهيت من دور الإلهة كوماري، ولم أكن أعرف كيف أمشي أو أخرج على الشارع أو التحدث إلى الناس، حيث لم يكن يسمح لي بذلك لقد واجهت الكثير من الصعوبات حتى استطعت الوقوف على قدمي وممارسة حياتي الطبيعية.شابماليا أماتيا (مؤرخ): بالتأكيد العدد يتقلص من الأهالي الذين يرغبون بتقديم طفلتهم لتصبح كوماري، وكما قلت لك فقد أصبحت هناك فرص كثير للعمل والدراسة وغيرها، وبالتالي فإن هذا العدد من الأهالي المتحمسين سينخفض بالتأكيد.وائل عواد: تساؤلات عدة تطرحها حياة العبودية هذه وحرمان الطفلة من اختيار حقها الطبيعي في النمو والرعاية والأمومة، فهي لا تذهب إلى المدرسة ولا تلعب مع زميلاتها، وهذه اللقطات نادرة لكوماري وهي تلعب لوحدها إذ لا يسمح لأحد بتصويرها، وتبقى كوماري جليسة البيت وحيدة، بينما يذهب إخوتها إلى المدرسة واللعب مع من يشاءون ومصاحبة ومشاجرة من يشاءون، وهي يجب ألا تتعرض لخدش أو ندب أو ترى النور إلا في المناسبات الدينية، ستبقى كوماري رهينة المنزل تنمو مع رهبة السكون كوجه ميت شاحب وعينين غارقتين في ظلمة النزع الموحش وأشباح الظلام تطوف المنزل، فهذه البراعم تذبل في الظلام، وتفقدها ابتسامة الطفولة البريئة المسلوبة منها. هذه الظروف دفعت بمنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان للتدخل ومنع هذه العادة والطقوس باعتبارها انتهاكاً لحقوق الإنسان خاصة حقوق المرأة والطفلة بشكل خاص، كم طفلة ستواجه نفس المصير لا أحد يعلم، ربما مع زوال الفقر والجهل من النيبال، ولحينه ستبقى كوماري إلهة هندوسية حية لهذه الجبال المقدسة والوادي الخصيب لمملكة النيبال، وكما يقال هنا هذه الاعتقادات ستضيع البلاد.



2010/10/15

قصة الطيران في مصر فصول مجهولة من ملحمة مصر للطيران

صورة للطيار ثابت بك لدى نزوله فى ميدان الطيران الايطالى عام 1934

وراء مصر للطيران ملحمة طويلة ومسيرة حافلة، تعددت بداياتها وفصولها، الأمر الذي يعني أن المصريين يلحون علي الفكرة أكثر من محاولة إلي أن يتحول الحلم إلي حقيقة، وقد استعرضنا خمس بدايات لبداية ملحمة الطيران المدني المصري وهنا نرصد بدايات أخري وصولاً لعام ١٩٥٥.
(٦)أما البداية السادسة فتمثلت فيما نشرته الأهرام يوم الاثنين ١٢ يناير عام ١٩٣١ في وزارة «إسماعيل صدقي» وجاء الخبر تحت عنوان «في مطار ألماظة ـ وزير المواصلات وطلعت حرب بك يطيران في طيارة صغيرة».
وقد تضمن الخبر إشارة إلي أنه جرت في اليوم السابق حفلة أقيمت للطيران تمهيداً لمشروع إنشاء شركة له في مصر تحت إشراف ذلك المعهد الوطني الكبير وهو بنك مصر، وبهمة الرجل الكفء القدير طلعت حرب بك. وقدمت الصحيفة وصفاً تفصيلياً للحفل الذي كان حاضراً فيه «وزير المواصلات» ووكيل وزارة الخارجية، ومدير المشروعات ببنك مصر، والملحق التجاري بدار المندوب السامي بالقاهرة، ومدير قسم الطيران بوزارة المواصلات، و«الأمين الأول للملك» و«طلعت حرب» كل هؤلاء جاءوا ليشاهدوا مدير مطار هيستون بإنجلترا وهو يحلق بطائرته التي كانت من طراز «بوس موث» ذات الثلاثة مقاعد التي وصفتها الصحيفة بقولها «أحدها للطيار ومقعدان لراكبين ومقفلة اتقاء للبرد والهواء»، وبعد أن عرض الرجل طائرته وقام بجولة وعدة حركات دلت علي مهارته ركب صاحب العزة طلعت حرب بك لأول مرة طيارة، وحلق فوق مدينة هليوبوليس نحو عشر دقائق ولما نزل كان معجباً بالتجربة وذكر أنه لم يشعر بأي تعب، بل كأنه راكب سيارة مع عدم التقيد بحركة المرور وما فيها من مضايقة.
ويبدأ طلعت حرب ورجاله في بنك مصر في دراسة مشروع إنشاء شركة للطيران التجاري، وتقدموا به إلي وزارة المواصلات التي نشرت تفصيلاته في تقريرها السنوي الصادر في منتصف مارس من ذات السنة، وكان التقرير قد تضمن إشارة أيضاً للجهود المبذولة خلال السنوات الأربع السابقة لتحويل الحلم إلي حقيقة إذ تم في أعوام ١٩٢٧ و١٩٢٨ و١٩٢٩، إرسال ثلاث بعثات إلي إنجلترا للتخصص في الطيران التجاري، وأنه ـ علي حد وصف الصحيفة ـ «قدأنشئ أول خط جوي لنقل البريد والبضائع بين القاهرة والبصرة في يناير ١٩٢٧م، تم مده إلي كراتشي في الهند و«باكستان» في أبريل سنة ١٩٢٩م، ومن المتوقع أن يمتد في المستقبل القريب إلي ما وراء الهند الهولندية، أي «إندونيسيا» ومنها إلي أستراليا». وكان العام ذاته قد شهد إنشاء خط جوي آخر بين الإسكندرية وأوروبا «بطائرات مائية فوق البحر المتوسط» وفي العام التالي رخصت وزارة المواصلات إنشاء خط جوي ثالث بين القطر المصري وجنوب أفريقيا، افتتح قسمه الشمالي بين القاهرة وموانزا، وبذلك أصبحت مصر حلقة اتصال جوي بين أوروبا والهند وأفريقية».
وكان تقرير وزارة المواصلات قد تناول البرنامج الذي أعدته الحكومة لترويج الطيران المدني في القطر المصري بإنشاء ميناءين جويين تجاريين في كل من القاهرة «ألماظة» والثاني في الإسكندرية، كما ذكر أن الحكومة أنشأت الطرق اللازمة للميناء وقامت بتمهيدها لنزول الطائرات علي وجه يبعث علي الطمأنينة وأدخلت النور والكهرباء وأقامت سوراً حديديا جديداً حول الميناء، وأنشأت حظيرة للطيارات الخفيفة مع ملحقاتها، وكان قسم الطيران بوزارة المواصلات قد وضع التصميمات اللازمة لجعل الميناء صالحاً للطيران التجاري وقد افتتح فعلاً أول فبراير سنة ١٩٣١م.
التقرير ذاته تضمن مجموعة من المقترحات كان منها الاشتراك مع شركة الطيران البريطانية «Air Work» في تأليف شركة مصرية لمزاولة أعمال الطيران برأسمال قدره ١٢ ألف جنيه علي أن يكون للمصريين ٦٠% منه، وأن تقوم شركة مصر للطيران بكل أنواع الطيران المدني وتنشئ في أول الأمر مدارس لتعليم الطيران وإدارته وممارسة النقل الجوي، قدم البنك بعد ذلك باسم الشركة المزمعة مجموعة من المطالب، كان منها «أن تستخدم الشركة المكاتب الجوية في القطر المصري، نظير دفع رسوم مخفضة مع تخويلها حق الانتفاع بالمنشآت الخاصة بالمواصلات اللاسلكية والأرصاد الجوية، وأن تنشئ مدارس لتعليم الطيران المدني في مطارات الحكومة» وبعد أقل من شهرين وعرض الأمر برمته علي الملك، جاءت الأخبار أن الحكومة قد رحبت بالمشروع وأعربت عن نيتها أنها ستمنح الشركة أقصي ما تستطيعه من التسهيلات والمساعدة، وذلك رغبة في تشجيع الطيران المدني في القطر المصري، إلي أن وصل إلي مصر نائب عن جماعة من الفنيين الأجانب للتفاوض مع بنك مصر بهذا الشأن.
وفي صحيفة «الأهرام» يوم ٢٦ مايو سنة ١٩٣١، وتحت عنوان «شركة بنك مصر للطيران» جاء ما نصه أن رأس مال الشركة المزمعة ١٢ ألف جنيه، وأنه سيكون لديها في بداية الأمر خمس طائرات فقط، وبعد أقل من أسبوع نشرت الصحيفة ذاتها خبراً تحت عنوان «شركة مصر للطيران» بشرت فيه المصريين بأنها ستبدأ العمل في موسم الشتاء التالي، وأن همها الأول منصرف إلي إنشاء الشركة، وتأكيد وجودها دولياً.
مرحلة البناء من عام ١٩٣٢ إلي ١٩٥٢يمكن اعتبار الفترة من عام ١٩٣٢ إلي ١٩٥٢ هي مرحلة البناء الأولي والتأسيسية لشركة مصر للطيران ولما خرجت شركة مصر للطيران إلي حيز الوجود كانت أول شركة في المشرق العربي كله لتعليم الطيران وتسيير خطوط منتظمة، وقد بدأت عملها مقتصرة علي النزهات الجوية وتعليم الطيران مع تكثيف الدعاية. يذكر الدكتور «عبد اللطيف الصباغ» في كتابه الطيران المدني في مصر، أن الشركة عانت في هذه الفترة من عدم إقبال المسافرين، إذ لم يكن الطيران أمرًا مألوفًا بعد،
وعندما دخلت الشركة الميدان العملي- قبل تسيير الخطوط- وجدت أن رأس المال غير كافٍ فرفع مجلس الإدارة إلي الجمعية العمومية المنعقدة في ٢١ مارس ١٩٣٣ اقتراحًا بتفويضه في زيادة رأس المال إلي خمسة وسبعين ألف جنيه فوافقت الجمعية بل استجابت لاقتراح جبرائيل تقلا بجعل رأس المال ثمانين ألف جنيه وما لبث أن زاد اسطول الشركة في يوليو ١٩٣٣ إلي عشر طائرات وفي ١٣ أغسطس ١٩٣٣ افتتحت الشركة أول خطوطها بين القاهرة والإسكندرية بطائرة «فوكس موت» ذات محرك واحد وأربعة مقاعد في رحلتين يوميا وفي عام ١٩٣٥ أضافت الشركة لأسطولها سبع طائرات جديدة كان بينها طائرتان من طراز هافيلاند ذات أربعة محركات وأربعة عشر مقعدًا وبدأت الشركة في تسيير خطوط خارجية إلي فلسطين «١٥ فبراير ١٩٣٤» امتدت إلي قبرص وبغداد بين عامي ١٩٣٥ و١٩٣٦.
ويذكر أنه في عام ١٩٣٣ بعد عودة صدقي كان في مصر ثمانية طيارين كان علي رأسهم محمد صدقي وخليل الكاشف.وفي أبريل ١٩٣٥ كانت مصر قد حققت مركزًا دوليا ممتازًا بانتخابها عضوًا في الاتحاد الدولي للنقل الجوي، وكان كمال علوي قد سافر إلي بروكسل في ٢٢ أغسطس ١٩٣٥ لحضور اجتماع الاتحاد.
ومع قيام الحرب العالمية الثانية أعلنت الحكومة المصرية الأحكام العرفية مما استتبع ضرورة إعادة النظر في وضع الشركة، وكان قانون الأحكام العرفية لعام ١٩٣٣ يقضي باستيلاء الحكومة علي ممتلكات الشركة، وبعد دراسة الموضوع قرر وزير الدفاع الوطني الاستيلاء علي الشركة اعتبارًا من سبتمبر عام ١٩٣٩. وفي ٢٦ يوليو ١٩٥١ تم تعديل الاسم الاجنبي للشركة من Misr Air Work إلي Misr Air «مصر للطيران».
وشهد عام ٤٨ مولد ثاني شركات الطيران في مصر واسمها شركة الخطوط المصرية للطيران الدولي «سعيدة» التي تأسست بجهود النبيل سليمان داوود وساهم فيها الملك فاروق بمشاركة شركة فيات الايطالية وقد بدأت برأسمال قدره ربع مليون جنيه كان للجانب المصري فيها من رأس المال ٥٥% وبدأت بأسطول قوامه إحدي عشرة طائرة لكن سرعان ما تعرضت لأزمات مالية وتم تصفيتها في نوفمبر ١٩٥٢ لأسباب سياسية ومالية.
وكان عام ١٩٥٠قد شهد مولد الشركة المصرية الثالثة، وكان اسمها الشركة المصرية الهندسية للطيران علي يد مجموعة من رجال الأعمال ومحبي الطيران من بينهم رجال من مؤسسي مصر للطيران من أمثال محمد طاهر وكمال علوي لكن تم تصفيتها هي الأخري عام ١٩٥٣ لعجزها عن منافسة الشركة الأم.
حاذق.. من رواد الطيرانمن أوائل الطيارين في مسيرة الطيران المدني في مصر أيضاً كان الطيار محمد حاذق والذي نشرت له مجلة «اللطائف» صورة تذكارية وهو يرتدي «البدلة الرسمية والطربوش» وهو مستنداً إلي طائرته.. كان ذلك في عدد «اللطائف» المصورة في أول يناير ١٩٣١م، وقد أشار التعليق أسفل الصورة إلي أن ثمن تلك الطائرة كان ٥٥٠ جنيهاً، وكانت هناك أول سيدة «طيارة» في نفس العدد من «اللطائف» وهي «لطفية النادي» التي شاركت بطائرتها في سباق طائرات بين طيارين أجانب ومصريين، وفي اللطائف، نجد «للطفية» صورة جماعية تتصدرها وهي واقفة إلي جوار وزير الطيران البريطاني اللورد «لند ندري» وحرمه، وجمهور من علية القوم في مطار ألماظة يحيطون بالآنسة لطفية النادي الطائرة الجرئية عقب نزولها من طيارتها بعد عودتها من سباق السرعة،
ونجد لمحمد حاذق صوراً أخري داخل العدد ذاته من اللطائف إحداها له وهو واقف بزي الطيران أمام طائرته وتحت الصورة تعليق يقول: «الطيار الجريء الباسل محمد أفندي حاذق وهو شاب جميل الطلعة وسيم الوجه رشيق القامة عمره ١٩ عاماً وقد هوي الطيران منذ صغره وأبدي رغبته في السفر إلي الخارج ليتعلم هناك فحال والداه دون ذلك لأنه وحيد عائلته ومازال مصراً علي الطيران حتي تعلم في مطار ألماظة». وهناك أيضاً معلومات فنية عن طائرة محمد حاذق، فهي من طراز «كامبر سويفت» وقوة محركها ٨٥ حصاناً وسرعتها ١٦٠ كيلو متراً في الساعة.
ما بعد الثورة طيرانبعد قيام ثورة يوليو دخل الطيران المدني المصري منعطفاً جديداً وخطيراً، وقد بلغت الأزمة ذروتها في النصف الثاني من عام ١٩٥٢، فعماد الطيران المدني الأمن والسلامة، ولا يعمل في الأجواء السياسية المضطربة، فبدأت الاضرابات في ٢٦ يناير ١٩٥٢ بحريق القاهرة وما استتبعه من الإجراءات الأمنية المشددة، ومع قيام الثورة عمدت حكومة الثورة إلي اتخاذ إجراءات لتقييد السفر للخارج، ووضع المزيد من الضوابط والمحاذير أيضاً،
وبلغت خسائر الشركة نحو ١٣٥ ألف جنيه، فضلاً عما سببته إسرائيل من مضايقات للطيران المصري، الذي يمر بالمجال الجوي القريب من أجوائها، ومن بين هذه المضايقات ماحدث في ٩ أغسطس ١٩٥٤، إذ اعترضت ٦ طائرات حربية إسرائيلية طائرة تابعة لمصر للطيران، وهي في طريقها لبيروت صباحاً، واحتجت مصر رسمياً علي هذا السلوك الإسرائيلي، لكن هذه الأزمات استتبعتها زيادة في رأسمال الشركة لتدارك الخسائر فنجحت الشركة في استعادة توازنها، ومع استقرار الأوضاع حققت أرباحاً تقترب من سبعة وأربعين ألف جنيه. وفي عام ١٩٥٤ وعلي إثر انعقاد الجمعية العامة تقرر زيادة رأس المال بمبلغ سبعمائة ألف جنيه، ومن بعده شراء ثلاث طائرات «فايكونت» ذات الأربعة محركات، والتي تحمل ٤٤ راكباً، وتسلمتها الشركة في النصف الثاني من عام ١٩٥٥، وبعد عدوان ١٩٥٦ الذي استهدف المطارات المصرية، نقلت مصر للطيران في يوليو ١٩٥٦ حركة الخطوط من ألماظة إلي مطار القاهرة الحالي.
نساء رائدات في مجال الطيرانفي أوج ظاهرة تحرر المرأة وخروجها للعمل ومشاركتها في سائر الميادين الوطنية، ومن هذه الميادين كان مجال الطيران، وقد دشن لهذه الظاهرة فتيات مصريات كن رائدات في هذا المجال، ومن هؤلاء الفتيات (عصمت فؤاد) ابنة مدير مصلحة الكباري، والتي كان عمرها آنذاك أربعة عشر عاماً وكانت تدرس في مدرسة الراهبات بشبرا فما إن أعلنت مدرسة الطيران عن فتح أبوابها حتي لجأت عصمت إلي عمها الذي توسط لها عند طلعت حرب، والتحقت بالمدرسة وأثبتت حماسة وتفوقاً، حتي أمكنها التحليق منفردة حتي هنأها طلعت حرب بذلك، ثم ما لبثت أن لحقت بها الشقيقتان قدرية ثم عائشة إسماعيل شقيقة الطيار حجاج، لكن أياً منهن لم تحصل علي شهادة طيران لصغر سنهن، إذ يشترط في الحاصل عليها أن يكون عمره سبعة عشر عاماً، فانصرفن عن الطيران قبل بلوغهن هذه السن.
ولذلك فإن الدكتور عبداللطيف الصباغ في كتابه «الطيران المدني في مصر» يعتبر أن البداية الحقيقية للفتاة المصرية في مجال الطيران كانت مع «لطفية النادي» التي كانت تعمل سكرتيرة بشركة مصر للطيران وما لبث أن تعلقت بفن الطيران فالتحقت بمدرسة الشركة في ١٨ يوليو عام ١٩٣٣ وتمكنت من الطيران بمفردها بعد ثلاث عشرة ساعة من الطيران المزدوج مع مستر كارول كبير معلمي الطيران بالمدرسة فتعلمت في ٦٧ يوماً وقد تلقت الصحافة الدعوة لحضور الاختبار العملي لأول طيارة «كابتن» مصرية في أكتوبر ١٩٣٣ وكانت «لطفية» قد شاركت في الجزء الثاني من سباق الطيران الدولي الذي عقد في ديسمبر عام ١٩٣٣ وهو سباق سرعة بين القاهرة والإسكندرية وفازت لطفية بالمركز الأول.
لكن اللجنة حجبت عنها الجائزة لوقوعها في خطأ فني في الإسكندرية عندما نسيت الدوران حول النقطة المحددة وأوصت اللجنة بمنحها جائزة شرفية، وأرسلت لها هدي شعراوي برقية تهنئة تقول فيها: «شرفت وطنك، ورفعت رأسنا، وتوجت نهضتنا بتاج الفخر بارك الله فيك».
بل تولت هدي شعراوي مشروع اكتتاب من أجل شراء طائرة خاصة للطفية لتكون سفيرة لبنات مصر في البلاد التي تمر بأجوائها أو تنزل بها، وظلت لطفية تمارس الطيران فترة ثم عملت سكرتيرة لدي النبيل عباس حليم، وكانت قد فتحت الباب لبنات جنسها لخوض التجربة فلحقت بها زهرة رجب ونفيسة الغمراوي ولندا مسعود وبلانش فتوش وعزيزة محرم وعايدة تكلا وليلي مسعود وعائشة عبدالمقصود وقدرية طليمات.
ويذكر أن نفيسة الغمراوي كانت مفتشة تربية رياضية بوزارة المعارف، وكانت هواية الطيران قد جمعت بينها وبين تلميذة بالصف الثالث الثانوي هي «لندا مسعود».
ولم يقتصر زحف الجنس الناعم علي الطيران فقط بل امتد لتدريسه، ومن أوائل المعلمات كانت لندا مسعود وعزيزة محرم التي كانت تتقن خمس لغات، وتزوجت من معلمها علي ذهني واستمرت في التدريس بينما توقفت لندا مسعود بعد زواجها، ثم أحجمت فتيات مصر عن الطيران بصفة نهائية فلم تدخل مجال الطيران فتاة مصرية منذ عام ١٩٤٥

مدونتي صديقتي

أنا انثي لاأنحني كــي ألتقط ماسقط من عيني أبــــدا