مقال يهمك

2010/11/26

العذاب ليس له طبقة مقال رائع من روائع الدكتور مصطفى محمود


العذاب ليس له طبقة
الذي يسكن في أعماق الصحراء يشكو مر الشكوى لأنه لا يجد الماء الصالح للشرب.
و ساكن الزمالك الذي يجد الماء و النور و السخان و التكييف و التليفون و التليفيزيون لو استمعت إليه لوجدته يشكو مر الشكوى هو الآخر من سوء الهضم و السكر و الضغط
و المليونير ساكن باريس الذي يجد كل ما يحلم به، يشكو الكآبة و الخوف من الأماكن المغلقة و الوسواس و الأرق و القلق.
و الذي أعطاه الله الصحة و المال و الزوجة الجميلة يشك في زوجته الجميلة و لا يعرف طعم الراحة.
و الرجل الناجح المشهور النجم الذي حالفه الحظ في كل شيء و انتصر في كل معركة لم يستطع أن ينتصر على ضعفه و خضوعه للمخدر فأدمن الكوكايين و انتهى إلى الدمار.
و الملك الذي يملك الأقدار و المصائر و الرقاب تراه عبدا لشهوته خادما لأطماعه ذليلا لنزواته.
و بطل المصارعة أصابه تضخم في القلب نتيجة تضخم في العضلات.
كلنا نخرج من الدنيا بحظوظ متقاربة برغم ما يبدو في الظاهر من بعد الفوارق.
و برغم غنى الأغنياء و فقر الفقراء فمحصولهم النهائي من السعادة و الشقاء الدنيوي متقارب.
فالله يأخذ بقدر ما يعطي و يعوض بقدر ما يحرم و ييسر بقدر ما يعسر.. و لو دخل كل منا قلب الآخر لأشفق عليه و لرأى عدل الموازين الباطنية برغم اختلال الموازين الظاهرية.. و لما شعر بحسد و لا بحقد و لا بزهو و لا بغرور.
إنما هذه القصور و الجواهر و الحلي و اللآلئ مجرد ديكور خارجي من ورق اللعب.. و في داخل القلوب التي ترقد فيها تسكن الحسرات و الآهات الملتاعة.
و الحاسدون و الحاقدون و المغترون و الفرحون مخدوعون في الظواهر غافلون عن الحقائق.
و لو أدرك السارق هذا الإدراك لما سرق و لو أدركه القاتل لما قتل و لو عرفه الكذاب لما كذب.
و لو علمناه حق العلم لطلبنا الدنيا بعزة الأنفس و لسعينا في العيش بالضمير و لتعاشرنا بالفضيلة فلا غالب في الدنيا و لا مغلوب في الحقيقة و الحظوظ كما قلنا متقاربة في باطن الأمر و محصولنا من الشقاء و السعادة متقارب برغم الفوارق الظاهرة بين الطبقات.. فالعذاب ليس له طبقة و إنما هو قاسم مشترك بين الكل.. يتجرع منه كل واحد كأسا وافية ثم في النهاية تتساوى الكؤوس برغم اختلاف المناظر و تباين الدرجات و الهيئات
و ليس اختلاف نفوسنا هو اختلاف سعادة و شقاء و إنما اختلاف مواقف.. فهناك نفس تعلو على شقائها و تتجاوزه و ترى فيه الحكمة و العبرة و تلك نفوس مستنيرة ترى العدل و الجمال في كل شيء و تحب الخالق في كل أفعاله.. و هناك نفوس تمضغ شقاءها و تجتره و تحوله إلى حقد أسود و حسد أكال.. و تلك هي النفوس المظلمة الكافرة بخالقها المتمردة على أفعاله.
و كل نفس تمهد بموقفها لمصيرها النهائي في العالم الآخر.. حيث يكون الشقاء الحقيقي.. أو السعادة الحقيقية.. فأهل الرضا إلى النعيم و أهل الحقد إلى الجحيم.
أما الدنيا فليس فيها نعيم و لا جحيم إلا بحكم الظاهر فقط بينما في الحقيقة تتساوى الكؤوس التي يتجرعها الكل.. و الكل في تعب.
إنما الدنيا امتحان لإبراز المواقف.. فما اختلفت النفوس إلا بمواقفها و ما تفاضلت إلا بمواقفها.
و ليس بالشقاء و النعيم اختلفت و لا بالحظوظ المتفاوتة تفاضلت و لا بما يبدو على الوجوه من ضحك و بكاء تنوعت.
فذلك هو المسرح الظاهر الخادع.
و تلك هي لبسة الديكور و الثياب التنكرية التي يرتديها الأبطال حيث يبدو أحدنا ملكاو الآخر صعلوكا و حيث يتفاوت أمامنا المتخم و المحروم.
أما وراء الكواليس.
أما على مسرح القلوب.
أما في كوامن الأسرار و على مسرح الحق و الحقيقة.. فلا يوجد ظالم و لا مظلوم و لا متخم و لا محروم.. و إنما عدل مطلق و استحقاق نزيه يجري على سنن ثابتة لا تتخلف حيث يمد الله يد السلوى الخفية يحنو بها على المحروم و ينير بها ضمائر العميان و يلاطف أهل المسكنة و يؤنس الأيتام و المتوحدين في الخلوات و يعوض الصابرين حلاوة في قلوبهم.. ثم يميل بيد القبض و الخفض فيطمس على بصائر المترفين و يوهن قلوب المتخمين و يؤرق عيون الظالمين و يرهل أبدان المسرفين.. و تلك هي الرياح الخفية المنذرة التي تهب من الجحيم و النسمات المبشرة التي تأتي من الجنة.. و المقدمات التي تسبق اليوم الموعود.. يوم تنكشف الأستار و تهتك الحجب و تفترق المصائر إلى شقاء حق و إلى نعيم حق.. يوم لا تنفع معذرة.. و لا تجدي تذكرة.
و أهل الحكمة في راحة لأنهم أدركوا هذا بعقولهم و أهل الله في راحة لأنهم أسلموا إلى الله في ثقة و قبلوا ما يجريه عليهم و رأوا في أفعاله عدلا مطلقا دون ن يتعبوا عقولهم فأراحو عقولهم أيضا، فجمعوا لأنفسهم بين الراحتين راحة القلب و راحة العقل فأثمرت الراحتان راحة ثالثة هي راحة البدن.. بينما شقى أصحاب العقول بمجادلاتهم.
أما أهل الغفلة و هم الأغلبية الغالبة فمازالوا يقتل بعضهم بعضا من أجل اللقمة و المرأة و الدرهم و فدان الأرض، ثم لا يجمعون شيئا إلا مزيدا من الهموم و أحمالا من الخطايا و ظمأً لا يرتوي و جوعا لا يشبع.
فانظر من أي طائفة من هؤلاء أنت.. و اغلق عليك بابك و ابك على خطيئتك.
(من روائع دكتور مصطفى محمود رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وغفر له)

2010/11/16

خروف العيد







باتا.............



حذاء باتا كان من اشهر اسماء الاحذية ويرجع اسمه الى رجل الصناعة التشيكي توماس باتا الذي قاد اكبر امبراطورية للاحذية في العالم ..وكانت شركته تدير مصانع كثيرة فيالعديد من الدول.وقد انتقل مقر الشركة من تشيكو سلوفاكيا بعد التاميم .. الى بريطانيا .وقد عاد توماس باتا بعد سقوط الشيوعية الى سلوفاكيا وسط استقبالات كبيروحاره وهتافات المواطنين واعاد تشغيل مصنع احذية باتا واستخدم الاف العمال .وفتح اكثر من مائة متجر .
وباتا هي شركة عالمية تمتاز منتجاتها بالجودة والمتانة حتى أن حذاء باتا صار مضرباً للأمثال وقد أقترن مع ( الكَرته ) التي تعطى مع كل حذاء لتسهيل عملية ارتداءه وذلك لقوة جلده ، وكانت اناقتنا لاتكتمل إلا مع حذاء باتا ، وكم كان يغرينا لمعان حذاء المعلم هو يروح ويجئ داخل الصف ، عندما كانت أناقة المعلم ضرورة قصوى ، وهي لاتكتمل إلا بثلاث أشياء ( قميص من شركة الفا ..وبنطلون من كاسكا ..وحذاء من باتا ) ، وهكذا دخلت شركة باتا تواريخنا وذكرياتها من أوسع الأبواب ، بعدما كانت واجهاتها الزجاجية الفخمة وأتكيت الأستقبال تغري المتأنقون .أما الفقراء فلم يكن لهم مع باتا ومنتجاتها حظ ومودة ،فقد كان الحذاء البلاستكي ( والنعال ) أبو الأصبع مهيمن على اقدامنا حتى في أيام ( الجِحيل ) وتعني الأيام الأكثر برودة. وكانت كل الشركات تعلن تنزيلاتها الموسمية إلا شركة باتا ،فقد كان لحذائها عنجهية ( ابو ناجي ) وهو مايطلق على المستعمر ، لأنها متأكدة من جودة بضاعتها وحاجة المتأنقين والبخلاء اليها لأن حذاءها ( يَكُدْ ) أي يعمر لسنوات. لهذا كان الصحفي العراقي الشهير ( حبزبوز) يقول ايام الملكية :مجلس النواب لايفتتح جلساته إلا على وقع احذية باتا. وأن تغير الأمر في عصر العولمة فصارت المؤتمرات الصحفية لاتنعقد إلا على وقع احذية باتا ، كما حدث في المؤتمر الأخير للرئيس بوش في زيارته الوداعية للعراق ..وياله من وداع وليته لم يتم ..!ربما يتذكر الناس كيف كان حذاء باتا يملأ نشرات الأخبار في بعض المناسبات ، ودائما يرتبط بفضيحة وبقصة مدهشة ولكن ليس مثل قصة حذاء السندريلا ..لأن في حكاية السندريلا يرتبط الحذاء بقصة رومانسية وعشق مامثله عشق ..ولكن الأمر مختلف مع حذاء باتا ، فلقد كان خروتشوف الرئيس الروسي السابق يوصي دائماً على حذاء باتا ، وكانت قدماه فخمتان ولذلك كان قياسه ( 44 ) ، وكان يمزح دائماً أن هذا الحذاء المتين مثل السلاح الشخصي له فائدة كبيرة غير حماية الأقدام من الصقيع الروسي ، ولم يكن مستشاروه يتوقعون أن يستخدمه خروتشوف ليسكت فيه العالم كله يوم ضربه على منصة الامم المتحدة بعد أن شعر بأن ثمة ضوضاء في القاعة عندما كان يلقي خطابه في فورة الصراع الروسي الامريكي أيام أزمة الصواريخ التي نصبها الروس على الاراضي الكوبية بعد عملية خليج الخنازير ، وقد استخدم خروتشوف الحذاء لأنه لم يكن يمتلك مطرقة القضاة ليُسكت فيها الجالسين ، وهكذا دخلت باتا اوسع ابواب السياسة وصار بريقها يلمع مع بريق الحروب النووية ، ولم يكن العالم ينتظر حدثا مشابها فلقد تغيرت اشكال الاحتجاج والتهدئة ورد الفعل ، إذ حل البيض الفاسد والبطاطا والخضار محل حذاء باتا في محاولة البعض الاستنكار بوجه المسؤولين ،وكان جميع من يرمى بالبيض الفاسد من وزراء ورؤوساء ،لايفعلون شيئا سوى اخراج مناديلهم البيض ومسح بدلاتهم ويمر الامر بهدوء ، فالديمقراطية تبيح في فورتها مثل هكذا عنفوان .لكن مشهد حذاء باتا تكرر ثانية وبذات الصورة العاصفة التي فعلها المرحوم خروتشوف عندما رمى صحفي عراقي الرئيس بوش في مؤتمره الصحفي في العراق وقال له : خذ هذه هدية الوداع الأخير.


2010/11/05

جراح سودانية وشجون مصرية..منار الشوربجي


دعيت الأسبوع الماضى لمحاضرة ألقاها السيد الصادق المهدى، رئيس وزراء السودان الأسبق بالمجلس المصرى للعلاقات الخارجية. وقد تناول الضيف السودانى الوضع الراهن فى بلاده والذى وصفه بأنه يمثل «مفترق طرق بين نعيم ممكن وجحيم محتمل». فهو تحدث تحديدا عن الاستفتاء المزمع إجراؤه فى يناير القادم وفق اتفاق نيفاشا الذى أبرم فى ٢٠٠٥.وهو الاتفاق الذى اعتمد فترة انتقالية مدتها ست سنوات تقودها حكومة وحدة وطنية يتبعها استفتاء يقرر فيه الجنوبيون مصيرهم، إما بالاستمرار فى الدولة الموحدة أو بالانفصال. وكانت الفكرة الجوهرية التى دارت حولها كلمة السيد المهدى هى أن الاستفتاء، الذى صار التزاما يتحتم الوفاء به، إذا لم يكن حرا ونزيها فإنه قد يؤدى لمزيد من تعقيد مستقبل السودان.فنزاهة الاستفتاء من شأنها أن تسمح بمعالجة القضايا الخلافية بالتراضى سواء فى دولة موحدة أو دولتين منفصلتين، بينما يؤدى الاستفتاء المطعون فى شرعيته إلى تعقيد الأمور وفتح الباب على مصراعيه لجحيم الاقتتال. وأعرب المتحدث عن قلقه من أن أطرافا دولية، على رأسها الولايات المتحدة ليست معنية بنزاهة الاستفتاء بقدر اهتمامها بإجرائه فى موعده مهما كانت النتائج ودون النظر إلى مايؤدى إليه ذلك من مزيد من تسميم العلاقة ليس فقط بين الشمال والجنوب وإنما داخل الجنوب نفسه.والحقيقة أننى كنت أستمع للمحاضرة وقلبى مع أشقائنا السودانيين بينما عقلى منشغل بمصر. كنت أشعر بمرارة مصدرها سؤال هيمن على تفكيرى وأنا أستمع للسيد الصادق المهدى. هل فعلا جاء اليوم الذى صار فيه من الممكن أن يلقى أحد محاضرة رصينة يتناول فيها الشأن السودانى بأبعاده المختلفة وأدوار الأطراف الدولية الفاعلة، دون أن يأتى ذكر مصر ولو مرة واحدة؟ وإذا كان ذلك ممكنا فما دلالته بالنسبة لأمن مصر القومى؟فمنذ أن كنا طلابا فى المرحلة الجامعية نتعلم مبادئ علم السياسة، أدركنا أن إحدى المسائل التى لايختلف عليها اثنان من كبار أساتذة العلوم السياسية هى أن السودان، فضلا عن روابط الدم والتاريخ، يرتبط بشكل مباشر بالأمن القومى المصرى. ومن ثم ترسخت فى وعينا الأهمية القصوى للعلاقات بين البلدين.ومعنى ذلك أن من دواعى الأمن القومى لبلادى أن تكون مصر حاضرة بقوة فى كل التفاعلات المهمة التى تتعلق بالسودان ومستقبله، ليس بمنطق الهيمنة وفرض الإرادة المصرية وإنما بمنطق المصالح المشتركة والإسهام الفعال النزيه القائم على احترام إرادة السودانيين باعتبار ذلك الاحترام هو وحده المفتاح لاحترام أبناء السودان للمصلحة الحيوية المصرية.وغياب مصر من مضمون محاضرة الصادق المهدى هو مجرد انعكاس كاشف للواقع وليس منشئا له. فلا أحد يستطيع أن يتجاهل أدوار الأطراف المؤثرة. فأنت سواء قبلت أو رفضت الدور الأمريكى فى السودان لا يمكنك الحديث عما يجرى هناك دون أن تتطرق لذلك الدور المحورى. وغياب مصر من محاضرة عن السودان أبلغ من أى كلام. فمصر فعلا غابت لسنوات طويلة عن تفاعلات رئيسية شكلت مستقبل السودان.وإذا أخذنا المحاضرة باعتبارها ذات دلالة رمزية على دور مصر أو غيابها، تصبح المفارقة أيضا هى السياقات التى ذكرت فيها مصر سواء فى كلمة الضيف السودانى أو فى تعليقات الحاضرين وأسئلتهم. فبعد أن غابت مصر من كلمته أنهى الصادق المهدى حديثه بالإشارة إلى الدور «العربى» المطلوب فى المرحلة القادمة. والمعنى واضح ولا يحتاج لتعليق، إذ لم يعد هناك ما يميز دور مصر عن باقى الدول العربية!وحين فتح الباب للنقاش جاء ذكر مصر مرتين أولاهما حين وجه أحد الحاضرين سؤالا للمتحدث عن أسباب ما وصفه باستبعاد مصر من مجريات الأمور فى السودان، فأجاب رئيس الوزراء السودانى السابق بأن مصر اختارت الابتعاد ولم تستبعد.فحين انخرطت أمريكا بقوة بعد طرح الجنوبيين لفكرة تقرير المصير منذ عام ١٩٩٣ كان الأمريكيون يرغبون فى دور فاعل لكل من مصر وكينيا. لكن مصر رفضت لأنها كانت ضد فكرة تقرير المصير من الأساس.والسؤال الذى يطرح نفسه هنا هو أيهما كان الأفضل بالنسبة لمصر، أن تشارك بقوة وتبحث عن الأدوات والموارد التى تجعل من الوحدة بديلا جاذبا للجنوبيين أم تترك الأمر برمته لأطراف دولية أخرى لها مصالحها بطبيعة الحال؟بعبارة أخرى، غياب مصر لم يمنع بحال المضى قدما فى تكريس فكرة تقرير المصير وتحويلها لواقع.أما المرة الثانية التى ذكرت فيها مصر فكانت أيضا فى مجال الرد على سؤال تعلق بالموقف الأمريكى، فتمنى السيد الصادق المهدى أن تعمل مصر على إقناع أمريكا بشأن الإعداد للاستفتاء.وهو ارتأى أن مصر يمكنها أن تسهم فى إجراء استفتاء نزيه لا عبر التدخل لدى الجنوبيين الذين لا يثقون فى حياد مصر وإنما لدى الولايات المتحدة الأمريكية.كل تلك المعانى التى هى أبلغ من أى تعليق تثير الشجون بالقطع ولكنها أيضا تطرح أسئلة كثيرة حول النشاط المصرى المكثف هذه الأيام بخصوص السودان ومدى فاعليته. هل هو نشاط بعد فوات الأوان هدفه فقط تقليل الضرر الذى قد يلحق بأمن مصر القومى أم أن هناك فعلا ما يمكن إنقاذه؟ سؤال أرجو أن نجد إجابة صريحة عنه. فالسياسة المصرية تجاه السودان تمس كل مصرى ومن حقنا أن نطلع على ما يتم بخصوصها من مصادر مصرية وهو أضعف الإيمان.

2010/11/03

شارك برايك


هل تعتقد أن أنفلونزا الخنازير ستعود مجددا؟

وجاء الخريف/سلامة احمد سلامة

لملم الصيف أوراقه أخيرا ورحل، مخلفا وراءه عددا من الكوارث الطبيعية التى أيقظت العالم على حقيقة التغيرات المناخية وتأثيرها على الإنسان وبيئته. وكان نصيب البشرية منها عددا وافرا من الزلازل والبراكين والسيول التى ضربت هاييتى.. وإندونيسيا التى مازالت مهددة بتسونامى عجزت أجهزة الرصد بأحدث الوسائل التكنولوجية عن التنبؤ بموعده.. ثم باكستان التى أغرقتها السيول والفيضانات، وفى كل هذه الكوارث كانت الشعوب المغلوبة على أمرها هى الضحية. بعضها سارعت دول الغرب إلى إغداق المساعدات عليها مثل هاييتى المستعمرة الفرنسية القديمة. والبعض الآخر مثل باكستان واندونيسيا تركتا لمصيرهما. لم تعرف أى منهما غير قليل من الاهتمام العالمى وقليل من المساعدات. ولم يشفع لها انتماؤها لعالم إسلامى ممزق رغم ثرائه وكثرة شعوبه التى أضحت غثاء كغثاء السيل!

فى بلادنا يتحول الصيف إلى عبء ثقيل، حين تتضافر حرارة الجو وقيظ الشمس مع ما تعج به العشوائيات والشوارع والكفور من القمامة ومخلفات المجارى وطفح المياه لتجعل معظم المدن والأحياء فى مصر صورة من صور الخراب الذى تلحقه الزلازل والفيضانات بالبلاد الأخرى!

وفى كل صيف لابد أن تشهد مصر هجمة وبائية لفيروس من الفيروسات.. ان لم تكن إنفلونزا الطيور فإنفلونزا الخنازير التى أعلن رسميا أنها صارت من الأمراض المتوطنة فى مصر. وفى هذه السنة جاءت «الملتحمة» إلى عيون الأطفال والكبار من حيث لا يدرى أحد.. إلا أنها نتيجة طبيعية لدرجة هائلة من التلوث الذى نتنفسه ونعيش عليه، وتغذيه السحابة السوداء بأطنان من الدخان والغبار وتلوث المياه التى يجرى خلطها بالصرف الصحى!

هل أضحت مصر بذلك أحد أكثر الدول تلوثا وقذارة فى العالم؟ وهل فقدت الطبيعة فى بلادنا جمالها وبكارتها، وانطفأ سحر الريف الذى كان فى وقت من الأوقات مصدرا للإلهام ونبعا للعطاء والشعور بالرضا والقناعة؟ ولماذا ضاع الإحساس بالجمال فى بلد خلدت حضارته فنون الجمال وأقامت المعابد والأهرامات احتفاء بروعة الطبيعة وبقدرة الإنسان على التشييد والبناء والإيمان بالخلود؟!

تخطر فى ذهنى وتعبر خيالى مثل هذه الأفكار كلما وجدت نفسى خارج القاهرة، بعيدا عن أجوائها المفعمة بالعوادم، وعن زحام شوارعها والفوضى والعشوائية التى تميز إيقاع الحياة فيها.. فتجثم فوق عقل الإنسان وروحه، لتجعله أبطأ حركة وفهما وعزوفا عن المشاركة فى أى شىء، بل وعن التفكير السليم. وهو ما ينعكس بغير شك على قرارات المسئولين وسياساتهم المتضاربة. ولو سألتنى عن سبب الفشل الذى تمنى به الدول التى تصنف على أنها «دول فاشلة» لقلت لك إن جانبا كبيرا من الأسباب يرجع إلى فساد البيئة.

لا يشعر المصريون بفصول السنة وتغيراتها ولا يحتفلون بها كما تحتفل بها بعض شعوب العالم. فقد كان فيضان النيل فى شهور الصيف هو التغير البيئى الوحيد الحاسم فى حياتهم، باعتباره مصدر الخير والخصب والنماء.. أن يفيض النيل أو يغيض تلك كانت قضية حياتهم التى ارتبطت بكل شىء.. وحين كف النيل عن الفيضان ونجح الإنسان فى ترويضه، نزح الناس فى شهور الصيف إلى الشواطئ التى أصبحت مسرحا للاحتفال بالحياة ومباهجها، ومهرجانا سنويا للانفلات من أسر العادة والروتين اليومى.

الفقراء يؤثرون الصيف والأغنياء يرحبون بالخريف. فخيمة الصيف لا تحتاج إلى فراش أو غطاء، وهى بالنسبة لأهالى العشوائيات ومدن الصفيح من الفقراء والمعدمين خير ملجأ وملاذ. وحين يأتى الخريف فإنه يمسح أوزار الصيف وعرق الحر. ويعيد توزيع الألوان والأضواء على الأشجار والأغصان والزهور، بعد أن يسقط الأوراق الذابلة القديمة، ويدفن بذور الخصب فى رحم الطبيعة خوفا من برد الشتاء وتقلباته.. إلى أن يحين موعد بعثها مع الربيع من جديد.

حتى فى الطبيعة يظل القانون السرمدى هو التداول والتغيير: تداول الصيف والخريف، والشتاء والربيع، والحر والبارد، والخصب والجدب. وحين تنضو الطبيعة أثوابها يخلع الإنسان عن عقله وروحه كثيرا من القشور الزائفة والمظاهر الخادعة!!!

مدونتي صديقتي

أنا انثي لاأنحني كــي ألتقط ماسقط من عيني أبــــدا